عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
93
اللباب في علوم الكتاب
أنّهما كانا آدميّين زنيا في الكعبة ، فمسخهما اللّه حجرين ، فوضعهما على الصّفا ، والمروة ؛ ليعتبر بهما ؛ فلمّا طالت المدّة ، عبدا من دون اللّه ، واللّه - تعالى - أعلم . فصل في معنى « الشعائر » و « الشّعائر » : جمه شعيرة ، وهي العلامة ، فكلّ شيء جعل علما من أعلام طاعة اللّه ، فهو من شعائر اللّه تعالى . قال تبارك وتعالى : وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [ الحج : 36 ] ، أي : علامة [ للقربة ] ، ومنه : إشعار السّنام [ وهو أن تعلم بالمدية ] ومنه : الشّعار في الحرب ، [ وهي العلامة الّتي يتبيّن يها إحدى الفئتين من الأخرى ] « 1 » ومنه : قولهم : شعرت بكذا ، أي : علمت به ، وقيل : الشّعائر جمع [ شعيرة ] ، والمراد بها في الآية الكريمة مناسك الحجّ ، ونقل الجوهريّ أنّ الشّعائر هي العبادات ، والمشاعر أماكن العبادات ، ففرّق بين الشّعائر والمشاعر . وقال الهرويّ : الأجود : لا فرق بينهما ، والأجود شعائر بالهمز ؛ لزيادة حرف المدّ ، وهو عكس « معايش » و « مصايب » . فصل في الشعائر هل تحمل على العبادات أو على موضع العبادات الشّعائر : إمّا أن نحملها على العبادات ، أو النّسك ، أو نحملها على موضع العبادات والنّسك ؟ ! [ فإن قلنا بالأوّل : حصل في الكلام حذف ؛ لأنّ نفس الجبلين لا يصحّ وصفهما بأنّهما دين ونسك ؛ فالمراد به أنّ الطّواف بينهما أو السّعي من دين اللّه تعالى . وإن قلنا بالثاني : استقام ظاهر الكلام ؛ لأنّ هذين الجبلين يمكن أن يكونا موضعين للعبادة والنّسك ] « 2 » . وكيف كان ؛ فالسّعي بينهما من شعائر اللّه ، ومن أعلام دينه ، وقد شرعه اللّه [ تعالى ] لأمّة محمّد - عليه الصلاة والسلام - [ ولإبراهيم عليه الصلاة والسلام ] ، قبل ذلك ، وهو من المناسك الّتي علّمها اللّه [ تعالى ] لإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - إجابة لدعوته في [ قوله تعالى ] : « وَأَرِنا مَناسِكَنا » . واعلم أنّ [ السّعي ليس ] « 3 » عبادة تامّة في نفسه ، بل إنما يصير عبادة إذ صار بعضا من أبعاض الحجّ والعمرة ، فلهذا بيّن اللّه تبارك وتعالى الموضع الّذي يصير فيه السّعي عبادة ، فقال [ سبحانه ] : « فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما » . والحكمة في شرع هذا السّعي : ما حكي أن هاجر حين ضاق بها الأمر في عطشها ، وعطش ابنها إسماعيل ، سعت في هذا المكان إلى أن صعدت الجبل ، ودعت ، فأنبع اللّه
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : الصفا .